(1)
كان يجلسُ في الغرفةِ المجاورة
شاب أنيق بثيابٍ سود
ينظر إلى السقف
بعينين فارغتين من أيّ شيء
ويضع على ركبتيه
كتاباً على هيئةِ حقيبة
أو حقيبة على هيئة كتاب
حين ناداني
دخلتُ مرتبكاً
كجثةٍ تسقطُ في البحر
قال بلغةٍ مبهمةٍ كلاماً عجيباً
وأشار إلى الكتابِ: الحقيبة
فنظرتُ، وجدتُ فيها إناءً مكسوراً
(كدتُ أن أغرق بسببه في النهر)
ووجدتُ حجراً
(ضربني به غجريّ فأصابَ قلبي)
ووجدتُ فيها شفتين تضحكان بآلافِ القُبَل
ووجدتُ كؤوساً من العشبِ والطينِ والجمر
وحذاءً من الخمر
وصوراً وتماثيل لأفخاذِِ نساء
ودموعاً بهيئةِ لؤلؤٍ وحروف
وقصائد بكتْ واشتكتْ وادّعتْ.
وأخيراً أخرجَ لي نقطةً حملتْ
ألوانَ الفجر والمغيب
حَمَلها بيده الصفراء المرتجفة
دون أن ينبسَ ببنتِ شفة.
(2)
مددتُ يدي لآخذ النقطة
أعني الإناءَ، الحجر
الشفتين، الجمر
الكؤوسَ أو الأفخاذ
الحروفَ أو الدموع.
لم تصل يدي إلى أيّ شيء
ولم يعطني الشابُ أيّ شيء
كان ينظر إليّ بعينين فارغتين من أيّ شيء
وأنا أذوبُ من الخوف
وأنا أنظرُ إلى النقطة
مدهوشاً بألوانِ الفجر والغروبِ فيها
كجثةٍ تُلقى في البحر.
===================
سقطتْ دمعةُ الشاعرِ على الورقة
فرأى فيها أخوةَ يوسف
وهم يمكرون ويكذبون
ورأى دمَ الذئب
ورأى أباه شيخاً وحيداً يتمتم:
يا أسفي على يوسف، يا أسفي.
ثم نظرَ مرّة أخرى
فرأى نارَ أبراهيم
ورأى صليبَ المسيح
ورأى الموتى ينهضون
والعميان يتشبّثون
ببعضهم، يصرخون.
ثم رأى موسى
يعبر بحراً من الرعبِ والموت
ورآه وهو يقول: ربي.
فَيُقالُ له:
لن تراني
انظرْ إلى الجبل
فإن استقرّ مكانه
فسوفَ تراني.
(2)
هكذا في دمعةٍ واحدة
رأى الجبلَ ينهدّ هدّاً
وموسى يستغيثُ: أنا أول المؤمنين.
ثم رأى عاداً وثمود
ورأى أصحابَ الأخدود
ورأى صحارى محمد وأصحابه عند بدر
ثم رأى رأسَ الحسين
يُحْمَلُ فوق الرماح
فوق خيول الخونة
لِيُنقَل بين مدن الكَفَرة الفَجَرة.
(3)
هكذا في دمعةٍ واحدة
أضاءتْ له الدنيا جميعاً
فاحتارَ الشاعرُ كيفَ يبدأ، كيفَ يقول
ثم رأى أن يصفَ المشهدَ ليس إلاّ!
=====================
حلمي كان الحبّ
ولذا أردتُ لحرفي أن ينطق كلمةَ: حبّ.
قبّلتُ شفته السفلى
كانَ الحرفُ صغيراً وجميلاً
وللتوّ عادَ من طفولته المليئةِ بالجمر
قلتُ له: قلْ حبّ.
فقالَ على الفور: حرّية!
ولذا ضعتُ لسنين لا حصر لها
أتجلّى في طوفان الحرّية وزلازلها.
ثم قلتُ له: قلْ حبّ.
فقالَ على الفور: حماقة!
ولذا ضعتُ لسنين لا حصر لها
أتجلّى في كأسِ حماقاتِ الدنيا
درويشاً مهووساً بقصصِ العشق
وملاكاً مصاباً بجذامِ الرغبة.
ثم قلتُ لحرفي:
ها قد أصبحتَ كبيراً
أعني أصبحتَ من النضجِ بما يكفي
لتقول: حبّ.
فقالَ على الفور: حرب!
ولذا ضعتُ ضياعاً أسودَ أغبر
في حربِ الأجداد
وحربِ الأوغاد
وحربِ الأحقاد.
(2)
حين خرجتُ من الحرب
أجرّ هزيمتي النكراء
كانت سنواتي قد تجاوزت السبعين
ولم تعد عندي الرغبة أبداً
أن أسأل حرفي شيئاً.
ومع ذلك،
قلتُ في لحظةِ عبثٍ ومجون:
قلْ حبّ.
فقالَ على الفور: حقد!
فضحكتُ حتى اخضلّتْ لحيتي بالدموع
ومن جديد: قلْ حبّ.
أرجوك
تعبتُ حد اللعنة
من الحرّيةِ والحماقةِ والحرب
يا حرفي..
يا هذا..
هيّا..
قلْ حبّ.
وبقيتُ كمجنونٍ أصرخُ في وجهه
حتى متّ: قلْ حبّ
===================
كانت باحةُ الحلمِ غامضةً مُتْرَبة
حين حطّتْ فيها نقطة كبيرة
رقصتْ حول عقربي الساعة
فتحرّكا بعد قرون من الصدأ
ثم ضربتْ بجناحيها الناعمين عصا المايسترو
فبدأت الموسيقى تندلقُ على الأرض.
استفاقت المرأتان العاريتان من نومهما الطويل
وقبّلتْ احداهما الأخرى
وبدأتا في الرقص.
(2)
طارت النقطةُ بعيداً
كان بانتظارها قطار أسود طويل
وسكك بيض
وإشارةُ سيرٍ ملوّنة
ضربت النقطةُ بجناحيها الناعمين إشارةَ السير
فصهل قطارُ الكلام صهيلاً جميلاً
وصعد البخارُ من منخريه
قليلاً قليلاً
حتى هبط من بابِ القطار
حرف بملامح قاسية
وأناقةٍ مفرطة
وشاربٍ كثّ
وكتابٍ ثمين
ولسانٍ طويل.
(3)
رجعت النقطةُ فَرحةً لترى المرأتين
ترقصان بسعادةٍ ولذّةٍ وعذوبة
لكنّ الحرفَ القاسي التقط النقطة
بلسانه الطويل الطويل
فتوقّفَ، على الفور، عقربا الساعة
ويبستْ أمواجُ الموسيقى
ثم أخرجَ الحرفُ النقطةَ من لسانه
ووضعها في كتابه العجيب
في كتابه الثمين الذي يحتوي
على أكثر من نقطةٍ ميّتة.
(4)
مرّت لحظات ثقيلة
أثقلُ من الصخر
لتتوقّف بعدها المرأتان العاريتان عن الرقص
ويدخل كلّ شيء في غيبوبةِ الموت.
=====================
حين سحبتُ كارتَ الملكة
من على طاولةِ اللعب
طعنَ القبطانُ ذو الفم البشع
والإصبع الوحيد
كفّي بالسكّين
فتوقّفتُ عن اللعبِ إلى الأبد
وصرتُ أحضرُ الحفلَ فقط
لأرى اللاعبين يصرخون ويسكرون
ويشتم بعضهم بعضاً
ويدخّنون أو يبكون.
وحين أصابُ بالملل
(وكثيراً ما أصابُ بالملل)
أبدد الوقتَ بالنظرِ عبر النافذة
إلى النهرِ المجاور
إلى النهرِ الراكدِ المجاور
لأرى صورةَ القمر
تتكسّرُ بهدوءٍ على الماء
حين يمرّ المركبُ الأسود الطويل
يقودهُ، كذلك، القبطان ذو الفم البشع
والإصبع الوحيد!
================
ليس هناك من شجرةٍ بهذا الاسم
أو بهذا المعنى
ولذا أنبتّ هيكلي العظمي في الصحراء
وألبسته ُقبّعةَ الحلم
وحذاءَ طفولتي الأحمر
وعلّقتُ عليه
طيوراً ملوّنةً اتخذتْ شكلَ النون
ثم وضعتُ عليه
بيضةً صفراء كبيرة
اسمها النقطة!
(2)
ليس هناك من شجرةٍ بهذا الاسم
أو بهذا المعنى
حين هبطتُ من المركبِ الأسودِ الطويل
رأيتُ الناس يحملون أشجاراً:
بعضهم يحملُ شجرةَ الذهب
أو شجرةَ اللذة
أو شجرةَ الدم
والآخر يحملُ شجرةَ النسيان
أو شجرةَ الكحول
أو شجرةَ النار
فمددتُ يدي في قلبي مرتبكاً
وأخرجتُ شجرةً صغيرةً جداً
مليئةً بالشمس
سمّيتها شجرةَ الحروف!
(3)
ليس هناك من شجرةٍ بهذا الاسم
أو بهذا المعنى
لكنْ حدث أن سُجِنتُ مدى الحياة
ولكي أبدد الوقتَ في سجني الأبديّ
زرعتُ شجرةً صغيرةً جداً
في الصحنِ المعدني العتيقِ الذي يضع
فيه السجّانون طعامي
فَنَمت الشجرةُ عاماً فعاماً
حتى أثمرتْ جيماً مليئةً بالطلاسم
وصيحاتِ الدمِ والحروب
ونوناً مليئةً بآهاتِ العشق
وريشِ المحبّة
ونقطةً قيل إنها نقطة العارفين.
(4)
ليس هناك من شجرةٍ بهذا الاسم
أو بهذا المعنى
في المركبِ العجيب
أبحرَ جمع من الغرباءِ المنفيين
من المتوحّشين والمجانين وأشباه المجانين
ليتيهوا وسط البحر
فقالَ الأولُ: سنصل إلى الشاطىء
حين نرى شجرةَ التفّاح.
وقالَ الثاني: حين نرى شجرةَ الدنانير.
وقالَ الثالثُ: حين نرى شجرةَ الطيور.
وقالَ الرابعُ: حين نرى شجرةَ النساء.
ثم وصلَ الدورُ إليّ
فقلتُ: سنصل إلى الشاطىء
حين نرى شجرةَ الحروف.
*
حين وصلنا إلى الشاطىء
استقبلنا ملك ضخمُ الجثّة
حاد النظراتِ، مخيفٌ كاللعنة
فأعطى الغريبَ الأولَ تفّاحة
وأعطى الثاني ديناراً
وأعطى الثالثَ طيراً
وأعطى الرابعَ امرأة
ثم وصلَ الدورُ إليّ
فتجهّم وجه ُالملكِ وصاح:
يا سيّاف اقطعْ عنقه!
*
حين تدحرجَ رأسي على الشاطىء
وسط صهيلِ الغرباءِ المنفيين
بزغتْ من دمي المتناثرِ على الأرض
شجرةٌ مليئةٌ بالنورِ والسرور.
أتراها شجرة الحروف؟